حلقة الأحزاب السياسية التشاورية حول مشروع قانون مفوضية الانتخابات

Sun, 03 Oct 2021…       مدير الموقع
حلقة الأحزاب السياسية التشاورية حول مشروع قانون مفوضية الانتخابات

نصرالدين عبدالباري
وزير العدل

2 أكتوبر 2021

السادةُ والسيدات الحضور ، قادةُ وممثلو الأحزاب والمنظمات السياسية وحركات المقاومة المسلحة، مع حفظِ المقامات والالقاب.

يسعدني كثيراً أن أشاركَ وأرحبَ بكم في هذا الصباحِ باسمِ وزارةِ العدل في هذه الحلقةِ التشاورية أو النقاشية حول مشروع قانون مفوضية الانتخابات، وهي ثاني حلقةِ نقاشية من حلقاتٍ متتالية شرعت الوزارة في تنظيمِها بدعمٍ من برنامجِ الأممِ المتحدة الإنمائي، والمؤسسةِ الدوليةِ للديمقراطية والعون الانتخابي، ووكالةِ الولاياتِ المتحدة للتنميةِ الدولية، والمؤسسةِ الدوليةِ للأنظمةِ الانتخابية حول مسودةِ هذا القانون.

هذه الحلقةُ النقاشية—كحلقةٍ فاتحة سبقتها مع المجتمع المدني—هي تعبيرٌ عمليٌ عن التعاونِ بين المنظماتِ والأحزابِ السياسية والحكومة الانتقالية، على وجهِ العموم، ووزارة العدل، على وجه الخصوص. وهي انعكاسٌ فعليٌ للدور الذي لا مناصَ منه للأحزابِ السياسية في بناءِ وتعزيزِ وصونِ الديمقراطية.

إن حيويةَ هذا الدور، دورٌ الأحزابِ السياسية في الديمقراطية، هي التي جعلت المنظرَ السياسي الأمريكي Schattschneider، مؤلف كتاب "حكومة الأحزاب،" جعلته يقول في كتابِه المشهور "تجربة صغيرة في الحكم الجمهوري،" الذي نُشر في العام 1942 إن "الأحزابَ السياسيةَ خلقت الديمقراطية…ولا يمكن تصورُ الديمقراطيةِ الحديثة إلا في أطار الأحزابِ السياسية."

لقد كان هذا المنظر يؤمن أن الأحزابَ السياسيةَ خَلقتِ الديمقراطيةَ الأمريكية من تجربةٍ صغيرة للحكم الجمهوري في الولاياتِ المتحدة، وذلك بدفع الجماهير إلى الحياةِ السياسية أو العملِ السياسي.

في الأوضاعِ الانتقالية، التي يكون فيها الناسُ تواقين إلى بناءِ نظامٍ ديمقراطي، بعد سنينَ وربما عقودٍ من الحكمِ الاستبدادي، يكون دورُ الأحزابِ والمنظماتِ السياسيةِ أكبر، وذلك لعظمةِ المخاطر التي تواجه الانتقاليات دوماً.

إن لأيٍ نظامٍ انتقالي خصائصه التي تميزه، وهذا يعني من الناحيةِ النظريةِ والعملية أنه لا توجد نماذجٌ جاهزة للتغييرِ السياسي. وأفضل وأفيد الرؤي لبناءِ نموذجٍ للتغيير السياسي في أي وضعٍ انتقالي يمكن أن تولد أو تتكون من إدراكِ العواملِ التي تشكل السلوكَ السياسي في المجتمع، والطريقةِ التي يتفاعل بها الناسُ، والفاعلون السياسيون، والمؤسسات مع بعضهم البعض في تأسيسِ النظامِ الجديد.

وهذه العملية، عمليةُ بناءِ نموذج للتغيير السياسي، تلعب فيها الأحزابُ السياسية في الواقع دوراً محورياً. فهي، من ناحية، توفر المؤسساتِ الأساسيةَ للتمثيلِ وللتعبير عن الهمومِ العامة. وهي، من ناحيةٍ أخرى، تلعب دوراً مركزياً في المفاوضاتِ والمناقشاتِ المتعلقة بالهياكلِ السياسيةِ الجديدة.

وفي الحالاتِ التي تكون فيها الأحزابُ السياسية منظمةً وفاعلة، فإن أثرَها يمتد ليشملَ تحديدَ الثقافةِ السياسية التي سوف تكون سائدةً في المجتمعِ الديمقراطي الجديد، وتوفير الأساس الذي تتفاعل وفقاً له الطوائفُ الاجتماعية المختلفة مع بعضها البعض.

إن من الوظائفِ الأساسية للأحزابِ والمنظماتِ السياسية الحدُ من ومراقبةُ سلطة الدولة. صحيح أن أيَ ديمقراطيةٍ بحاجةٍ إلى دولةٍ ذات سلطةٍ فاعلة. لكن عندما تكون الدولة خارجةً من عقودٍ من الحكمِ الديكتاتوري، فإن هنالك حاجةُ كبيرة لمراجعةِ ومراقبةِ وتقييدِ سلطةِ القادةِ السياسيين وموظفي الدولة.

الأحزاب والمنظمات السياسية، كما المجتمع المدني، ينبغي لها أن تلعبَ كذلك دوراً في الديمقراطية بتشجيعِ وتعزيزِ المشاركةِ الشعبية بنشر ورفع وعي الناس بحقوقِهم وواجباتِهم كمواطنينَ ديمقراطيين، وتشجيعهم على الاستماعِ إلى الحملاتِ الانتخابية، والتصويتِ في الانتخابات، وتطويرِ مهاراتِ المواطنين في العملِ مع بعضِهم البعض من أجل ايجادِ حلولٍ للمشكلاتِ المشتركة، والتداولْ بموضوعية حول القضايا العامة، والتعبيرِ عن آرائِهم بلا خوفٍ ولا وجل.

إن الأحزابَ السياسية كما المجتمعِ المدني يمكنها كذلك تطويرُ القيم الأخرى للمجتمعِ الديمقراطي، ومنها التسامح، والاعتدالُ في الرأي، والمساومةُ في المواقف دون التنازل عن المبادئ، عندما تقضي الضرورة، واحترام الاختلاف في الرأي. إذ إنه بدون هذه الثقافةِ الاستيعابية والتسامحية العميقة، لا يمكن للمجتمعِ الديمقراطي أن ينشأُ أو يستقر.

ومن وظائفِ الأحزاب والمنظماتِ السياسية الحيوية في الأوضاع الانتقالية، ذات الصلة المباشرة بهذه الفعالية، المساهمةُ بالرأي وبالفعل في إرساءِ وتطوير السياساتِ والانظمة التشريعيةِ الضرورية لبناءِ وعملِ المؤسساتِ اللازمة لقيامِ نظامِ حكمٍ ديمقراطي، ومنها بلا جدال مفوضيات الانتخابات المستقلة.

هذه الحلقةُ النقاشية، التي تهدف إلى الإفادة من تلك الوظيفةِ الحيوية للأحزاب والمنظمات السياسية، هي امتدادٌ لسلسلةٍ من الحلقاتِ، التي نظمتها وزارةُ العدل منذ تكوينِ الحكومةِ الانتقالية، التزاماً منها بمبدأ ديمقراطيةِ العمليةِ التشريعية، وهو مبدأٌ أساسي من مبادئِ التشريعِ في الدولةِ الديمقراطيةِ الحديثة، يقضي، من بين اشياءَ أخرى، بمشاركةِ أكبر قطاعاتٍ ممكنةٍ من خارج المؤسساتِ الحكوميةِ في تحديدِ محتوى القوانين بإبداءِ الرأيِ فيها، وربما باقتراحِها ابتداءً للأجهزةِ والمؤسساتِ الرسميةِ للدولة.

وعلى الرغم من أهميةِ الالتزامِ بهذا المبدأ فيما يتعلقُ بكل أو جل القوانين، إلا أن الالتزامَ به في صناعةِ قوانينِ التحولِ الديمقراطي، وبخاصة قانون مفوضيةِ الانتخابات، وقانون الانتخابات، وقانون صناعةِ الدستور، ذا أهمية خاصة، لاسيما في هذا العهدِ الجديد، عهدُ ما بعد ثورة ديسمبر الظافرة؛ عهدُ التأسيس، ربما لأول مرة في التاريخ السياسي والدستوري للسودان، لدولةٍ جديدة نتطلع ونعمل من أجل أن تكونَ ديمقراطية تعددية حديثة، لا تنحاز إلى ثقافةِ جماعةٍ محددة أو طائفةٍ دينية أو عرقية أو جهوية بعينها.

هذا المبدأ يكتسب أهميةً أكبرَ وأعظمَ ونحن نعملُ من أجلِ وضعِ أسسٍ راسخةٍ لنظامٍ سياسي يجب تصميمُه لضمانِ المشاركةِ الشعبيةِ الفاعلة في إدارةِ الحكومة، التي ينبغي أن تكون سلطاتُها محددةً ومحدودةً في المجتمعِ الديمقراطي الحقيقي.

والانتخابات والآلية أو الآليات التي سوف تقوم بوضعِ أسسِها وبإدارتها في هذا النظام السياسي الذي نأمل ونعمل من أجلِ بنائِه، هي عمادٌ من العُمُد التأسيسية، سواءً كان هذا النظامُ نظاماً هشاً يقوى تدريجياً، كما في الفترات الانتقالية أو الفتراتِ الديمقراطيةِ الأولى التي تعقِبها، أو نظاماً راسخاً متيناً يزداد بمرورِ الأيامِ والسنين رسوخاً ومتانةً وتحسناً.

إن مشروعَ قانونِ مفوضيةِ الانتخابات يستمد أهميته، كما نعلم جميعاً، من أن المفوضيةَ التي تنشأُ بموجبِ هذا القانون، سوف تديرُ عملياتٍ انتخابيةً هي في الحقيقة والواقع الأداةُ المنظورةُ الحاسمةُ، التي يتمكن المواطنون من خلالها في السودان الجديد، القائم على إرادتهم الحرة، من اختيار أو إزاحةِ القادةِ والحكام، لا على ضوءِ ما يقدمونه من برامجَ فقط، وإنما كذلك على أساسِ ما يقومون به من أفعالٍ في الواقع.

وكدأبها في مشروعاتِ القوانين الأخرى، حَرَصَت وزارةُ العدل على أن يعكسَ مشروعُ القانون محلَ النقاشِ اليوم المعاييرَ الدوليةَ وأفضلَ الممارساتِ في إنشاءِ مفوضياتِ الانتخابات، مع الوضعِ في الاعتبار بكل تأكيدٍ السياق السياسي والتاريخي السوداني، الذي سوف يُنْتِج عند نضجِه واكتمالِه تجربةً متميزة، نرجو أن تكونَ إضافة للتجاربِ والنماذج الأفريقيةِ والعالمية في إنشاءِ آلياتِ إدارةِ العملياتِ الانتخابية والإشرافِ عليها في الأوضاعِ الانتقالية، أو في المجتمعاتِ المتحولةِ إلى الديمقراطية.

إن الرجاءَ من هذه الحلقةِ النقاشية هو أن يتناول المشاركون فيها مشروعَ قانونِ مفوضيةِ الانتخابات بالنقدِ البناء، الذي يظهر مواطنَ الضعفِ والقوة فيه ويقدم من المقترحاتِ والآراء ما يسهم في تقويةِ وتعزيزِ أحكامِه. ذلك أن تقويةَ وتعزيزَ أحكامِ هذا القانون هما خطوةٌ من الخطواتِ الضروريةِ لتأسيسِ نظامٍ انتخابي يجعل انتخاباتِنا في المستقبل انتخاباتٍ جديةً وحقيقية، وليست مجرد شكلياتٍ إداريةٍ نتبناها لنظهرَ للناس أننا سائرون على طريقِ الديمقراطيةِ المستقيم، أو لإضفاءِ الشرعيةِ على نظامٍ سياسي قائمٍ، رغم رفضِ أو مقاومةِ الشعب له.

إن وزارةَ العدل ملتزمةٌ تمامَ الالتزام بدراسةِ المقترحاتِ والآراءِ التي سوف تقدم اليوم وفي الحلقاتِ النقاشيةِ التي تلي هذه الحلقة، وأخذِها في الاعتبار أثناءَ مراجعةِ مشروعِ القانون.

إنني أود أن اتوجهَ، في ختامِ حديثي، بالشكرِ الجزيل لبرنامجِ الأممِ المتحدةِ الإنمائي، والمؤسسةِ الدوليةِ للديمقراطيةِ والعونِ الانتخابي، ووكالةِ الولاياتِ المتحدةِ للتنميةِ الدولية، والمؤسسةِ الدوليةِ للانظمةِ الانتخابية، ولكل المشاركينَ في هذا الحلقةِ النقاشية، التي أتمنى أن تدار فيها نقاشاتٌ ودية وبناءة ومثمرة.

شكراً جزيلاً على حسنِ الاستماع.